المتابعون

الأربعاء، 27 أكتوبر، 2010

التدليك ودورة الأستشفائي في الطب العربي

التدليك ودورة الأستشفائي في الطب العربي


لما جاء الإسلام بجميل قيمه وتمام أخلاقه ليرسخ نظاماً فريداً للحياة كان ضمنه الصلاة وشرط صحتها الوضوء الذي يُعد عملية تدليك دورية علي مدار اليوم ليس للأعضاء االكبيرة الظاهرة من البدن ولكن أيضاً لدقائق الجسم ، فعَنْ الْمُسْتَوْرِدِ بْنِ شَدَّادٍ قَالَ: ﴿ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ إِذَا تَوَضَّأَ يَدْلُكُ أَصَابِعَ رِجْلَيْهِ بِخِنْصَرِهِ ﴾[1]، فأنظر إلي دقة النبي ودقة متابعة الصحابة رضي الله عنهم لأفعاله ، وكأن الوضوء بما فيه من التدليك نظام لإحكام جودة الحياة للمسلم.

وكلمة " مساج " مشتقة من الفعل العربى " يمس " التى يلمس برقة . كما ذكر ( بيورى " ( 1819 ) أن كلمة تدليك ( مساج ) ترجع إلى الكلمة الإغريقية القديمة ( ماسين ) Massein والمرتبطة غالبا بكلمة Manus أى يد وهى ما يستخدمها المدلك أو الأخصائى ببراعة أثناء أدائه للتدليك .


ولا تلبث أن تتجلي كتابات التدليك وما له في كتب علماء المسلمين لما له من مكانه وأهميه ، مثل "الرازي 865 – 925 م" الذي أسس ببغداد مستشفي يُستخدم التدليك فيها كإحدي وسائل العلاج ، كذلك الشيخ الرئيس "ابن سينا" ، والذي نستعرض طرفاً من كلامه في التدليك والذي كان يُنطق بزمنه " الدلك " حيث يقول عن التدليك في كتابه ـ القانون في الطب ـ : " يكون التدليك بشئ خشن، ثم يمرخ بدهن عذب، ثم يدرج بالتدليك، ويجب أن لا يضغط العضو ضغطاً شديداً، كما يجب أن يبلغ التدليك جميع أجزاء الجسم" . 
بن سينا  
كما أفرد للتدليك فصلاًَ في كتابه فضلاً عن المتناثرات عن التدليك والأمراض فنجد كلامه في الفصل الرابع الدلك (التدليك):

"الدلك منه صلب فيشدد ومنه لين فيرخي ومنه كثير فيهزل ومنه معتدل فيخصب وإذا ركب ذلك حدثت مزاوجات تسع وأيضاً من الدلك ما هو خشن أي بخرقٍ خشنة فيجذب الدم إلى الظاهر سريعاً ومنه أملس أي بالكف أو بخرقة لينة فيجمع الدم ويحبسه في العضو والغرض في الدلك تكثيف الأبدان المتخلخلة وتصليب اللينة وخلخلة الكثيفة وتليين الصلبة .

ومن الدلك دلك الاستعداد[2] وهو قبل الرياضة يبتدىء ليناً ثم إذا كاد يقوم إلى الرياضة شدد .ومنه دلك الاسترداد[3] وهو بعد الرياضة ويسمى الدلك المسكن أيضاً والغرض في تحليل الفضول المحتبسة في العضل مما لم يستفرغ بالرياضة لينعش فلا يحدث الإعياء .

وهذا الدلك يجب أن يكون رقيقاً معتدلاً وأحسنه ما كان بالدهن ولا يجب أن يحتمه على جساوة وصلابة وخشونة فتجسو به الأعضاء ويمنع في الصبيان عن النشو وضرره في البالغين أقل ولأن يقع في الدلك خطأ مائل إلى الصلابة فهو أسلم من الخطأ المائل إلى اللين لأن التحليل الشديد أسهل تلاقياً من إعداد البدن بالدلك اللين لقبول الفساد على أن الدلك الصلب والخشن إذا أفرط فيه في الصبيان منعهم النشوّ وستجد ذلك من بعد وقت الدلك وشرائطه لكنا نريد في هذا الوقت لذلك الاسترداد بياناً فنقول إنه بالحقيقة كأنه جزء آخر من الرياضة .

ويجب فيه أن يبدأ أولاً بالدهن وبالقوة ثم يمال به إلى الاعتدال ولا يقطع على عنفه والأحسن أن تجتمع عليه أيد كثيرة ويجب أن يوتر المدلوك أعضاءه المدلوكة بعد الدلك لينفض عنها الفضول فيؤخذ قماط ويمرّ على نواحي الأعضاء كلها وهي موترة ويحصر النفس حينئذ ما أمكن لا سيما مع إرخاء عضل البطن وتوتير عضل الصدر إن سهل ثم يوتر آخر الأمر عضل البطن أيضاً يسيراً ليصيب الأحشاء بذلك استرداد مّا وفيما بين ذلك يمشي ويستلقي ويشابك برجليه رجلي صاحبه والمبرزون من أهل الرياضة يستعملون حصر النفس فيما بين رياضاتهم وربما أدخلوا ذلك الاسترداد في وسط الرياضة فقطعوها وعاودوها إن أرادوا تطويل الرياضة .

ولا حاجة إلى الدلك الكثير لمن يريد الاسترداد وهو ممن لا يشكو شيئاً من حاله ولا يريد المعاودة بل إن وجد إعياء تمرخ تمريخاً ليناً بالدهن على ما نَصِفُ فإن وجد يبساً زاد في الدلك حتى توافي به الأعضاء الاعتدال ".

كذلك في تدبير الإعياء الكائن من تلقاء نفسه .

"وقد يعرض عقيب الإفراط في الرياضة مع قلة الدلك ضعف مع التخلخل وقد يعرض من الجماع المفرط أيضاً ومن الحمام المتواتر فينبغي أن يعالجوا برياضة الاسترداد وبدلك يابس إلى الصلابة مع دهن قابض". فأنظر إلي فطنة الشيخ الرئيس وكيفية ربطه بين الحمل الزائد وكيفية الوقاية منه بما يتمشي مع نظريات الطب الرياضي في العصر الحديث .

كما أفرد فصلاً خاصاً عن كبار السن والتدليك حيث يقول : الفصل الخامس دَلْكِ المشايخ:

"يجب أن يكون معتدلاً في الكيف والكم غير متعرض للأعضاء الضعيفة أصلاً أو المثانة وإن كان الدلك ذا مرَات فليدلكوا في المرَات بخرق خشنة أو أيد مجردة فإن ذلك ينفعهم ويمنع نوائب علل أعضائهم وينفعهم الحمام مع الدلك" .

وتتجلي روعة الدور الذي قام به الطبيب الشهير ، العالم ، المؤلف ، الفلكى ، الفليسوف الاسلامى ابن سينا والذى عاش ( عام 980 م – 1037 م) بمساهمة الكبيرة فى تطوير التدليك فى كتابة " القانون فى الطب " الذى اعتبر اعظم ما كتب عن الطب عند العرب – حيث وضع ( اسس ) أنواع التدليك التالية :

التدليك القوى ( العميق ) – بهدف تقوية الجسم ، التدليك الخفيف (السطحى) – بهدف تهدئة واسترخاء الجسم ، التدليك العام (فترة طويلة) – بهدف المساعدة على تخفيف وزن الجسم ، التدليك متوسط القوة (متوسط العمق) – بهدف المساعدة على تحقيق حيوية وانتعاش الجسم ، التدليك التمهيدى (اعدادى) وهو مايؤدى قبل ممارسة التمرينات البدنية ، تدليك استشفائى(مهدأ) – وهوما يؤدى بعد ممارسة التمرينات البدنية .


[1] أبو داود: كتاب الطهارة، باب غسل الرجلين، حديث رقم 127.
[2] التدليك التمهيدي (الإحماء) .
[3] التدليك الأستشفائي .

هناك تعليق واحد: